الشيخ محمد رشيد رضا

577

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ومعبودات ، وكان يجب أن يفطن العاقل لذلك ويتذكره بالتذكير به ، لأنه تذكير بما يدركه العقل بالبرهان ، وتعرفه الفطرة بالوجدان ، فكأنه مما غفل عنه ، لا مما جهله ، لأنه معلوم له بالقوة . وفسر ابن جرير التذكر هنا بالاعتبار والاتعاظ وهو أحد معانيه ( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ) ومن العبرة في الآية ان هذا الضرب من الشرك الذي رده امام الموحدين إبراهيم صلوات اللّه عليه ، لا يزال فاشيا في كثير من المنتمين في التوحيد إلى ملته ، لأنهم لم يعقلوا ما تقدم من حجته ، فهم ينسبون إلى من يعتقدون أن لهم تصرفا غيبيا في المخلوقات ، أحياء كانوا أو أموات ما يقع عقب زيارتهم لهم ، أو توسلهم بهم ، من زوال ألم ، أو خير ألمّ ، أو نفع أصاب حبيبا دعوا له ، أو ضر أصاب عدوا دعوا عليه ، وانما يقع ما يقع من ذلك بسبب حقيقي جلي ، أو وهمي خفي ، وكل بتقدير اللّه السميع العليم ، العزيز الحكيم وبعد أن بين لهم عليه السّلام أنه لا يخاف شركاءهم بل يخاف اللّه وحده من ناحية الأسباب ومن غير ناحيتها قال : * * * وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً ؟ أي وكيف أخاف ما أشركتموه بربكم من خلقه فجعلتموه نداله ، وهو لا ينفع ولا يضر ، ولا يسمع ولا يبصر ، ولا تخافون أنتم إشراككم باللّه خالقكم ما لم ينزل به عليكم حجة بينة بالوحي ، ولا بنظر العقل ، تثبت لكم جعله شريكا له في الخلق والتدبير ، أو في الوساطة والشفاعة والتأثير ، فافتياتكم على خالقكم الذي بيده الضر والنفع بهذه الموبقة الفظيعة هو الذي يجب أن يخاف ويتقى . فالاستفهام للانكار التعجبي من تخويفهم إياه ما لا يخيف ، في حال كونهم لا يخافون أخوف ما يخاف ، وقد قيل إن هذا الاستفهام عن كيفية الخوف لا عن الخوف نفسه وبحثوا عن نكتته ، والمراد نكتة العدول عن الاستفهام بالهمزة إلى الاستفهام بكيف ، وهي تؤخذ من قول أهل اللغة في معنى كيف من كونها سؤالا عن الأحوال - لا مما تكلفه بعض المفسرين - والمعنى أن كل صفة وحال يمكن أن تدعى لصحة هذا الخوف فهي باطلة ، وانه عليه السّلام لم « تفسير القرآن الحكيم » « 73 » « الجزء السابع »